نمو بـ4,9% وبطالة ذات جذور هيكلية.. تقرير رسمي يكشف مفارقات الاقتصاد المغربي

هيئة التحريرمنذ ساعتينآخر تحديث :
نمو بـ4,9% وبطالة ذات جذور هيكلية.. تقرير رسمي يكشف مفارقات الاقتصاد المغربي

بين مؤشرات اقتصادية توحي بتحسن أداء الاقتصاد المغربي، واختلالات مستمرة في سوق الشغل، ترسم الأرقام الرسمية صورة مزدوجة لمسار التنمية بالمملكة؛ فبينما بلغ النمو الاقتصادي 4,9 في المائة خلال سنة 2025، وتراجع التضخم إلى 0,8 في المائة وعجز الميزانية إلى 3,5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، لا تزال قدرة الاقتصاد على خلق فرص شغل كافية ومستدامة تطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة النمو ومدى انعكاسه على الحياة اليومية للمواطنين.

وكشف التقرير السنوي لمديرية الدراسات والتوقعات المالية التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية برسم سنة 2025 أن التحسن المسجل في عدد من المؤشرات الماكرو اقتصادية لا يخفي استمرار اختلالات بنيوية، في مقدمتها ضعف مساهمة عامل العمل في النمو، وتزايد الطابع الهيكلي للبطالة، فضلا عن التحديات المرتبطة بملاءمة التكوين مع حاجيات سوق الشغل.

وأوضح التقرير أن تراكم رأس المال ظل المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي بالمغرب خلال الفترة الممتدة بين 2000 و2023، في وقت تراجعت فيه مساهمة الشغل خلال السنوات الأخيرة من الفترة المدروسة. وتزامن هذا التحول مع تباطؤ متوسط النمو الاقتصادي طويل الأمد، الذي انتقل من 4,6 في المائة خلال الفترة 2000-2011 إلى 3,2 في المائة بين 2018 و2023، بما يعكس استمرار صعوبات تحقيق نمو قوي ومستدام بالوتيرة نفسها.

وفي قراءة لمصادر تحسن مستوى الناتج الداخلي الإجمالي للفرد، أظهرت دراسة شملت الفترة الممتدة بين 2004 و2022 أن إنتاجية العمل ساهمت بنسبة 86 في المائة في هذا النمو، مقابل 13 في المائة لعامل التشغيل، بينما كان العامل الديموغرافي ذا مساهمة سلبية بمتوسط 0,6 نقطة مئوية سنويا. وهي معطيات تبرز أهمية رفع مردودية الاقتصاد، لكنها تثير في الوقت نفسه تساؤلات بشأن قدرة النمو على توسيع قاعدة المستفيدين منه عبر إحداث مناصب شغل جديدة.

وفي المقابل، سجلت مؤشرات مرتبطة بالاستثمار خلال سنة 2025 منحى تصاعديا، تمثل في ارتفاع مداخيل الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 28 في المائة، وزيادة واردات سلع التجهيز بنسبة 13,3 في المائة، إلى جانب نمو قروض التجهيز بنسبة 25,4 في المائة. وتؤشر هذه التطورات إلى دينامية استثمارية متنامية، غير أن الرهان الأساسي يظل مرتبطا بمدى ترجمة هذه الدينامية إلى مشاريع منتجة وفرص عمل مستقرة وذات قيمة مضافة.

وعلى مستوى سوق الشغل، سلط التقرير الضوء على إشكالية أكثر تعقيدا، بعدما خلصت دراسة استندت إلى معطيات الفترة 2006-2024 إلى أن المكون الهيكلي يشكل العامل الأبرز في تطور البطالة بالمغرب. ولا يرتبط الأمر، وفق خلاصات الدراسة، بتقلبات ظرفية فحسب، بل يتصل أيضا بمحدودية إحداث فرص الشغل المؤهلة، وعدم التوافق بين الكفاءات المتاحة واحتياجات المقاولات، فضلا عن اتساع القطاع غير المهيكل واستمرار التفاوتات الجهوية والاجتماعية في الولوج إلى فرص التشغيل.

ورغم هذه الاختلالات، سجل عدد الأجراء المستفيدين من التشغيل المهيكل المستقر ارتفاعا من 1,85 مليون سنة 2017 إلى 2,51 مليون سنة 2024، بمعدل نمو سنوي متوسط بلغ 5,2 في المائة. ويعكس هذا التطور تقدما في توسيع قاعدة التشغيل المهيكل، لكنه لا يلغي الحاجة إلى تسريع وتيرة خلق فرص العمل، خصوصا لفائدة الشباب وحاملي الشهادات والفئات الأكثر تأثرا بصعوبات الاندماج المهني.

ودعت مديرية الدراسات والتوقعات المالية إلى تعزيز التنسيق بين منظومة التكوين ومتطلبات سوق الشغل، وتقديم دعم أكبر للمقاولات الصغيرة والمتوسطة ومقاولات الشباب، إلى جانب تكييف سياسات التشغيل مع الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية لكل جهة. كما شددت على أهمية تطوير أدوات تتبع وتوقع المؤشرات الاقتصادية، وتوظيف المعطيات الإدارية وتقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل تحولات سوق العمل واستشراف احتياجاته المستقبلية.

وتكشف خلاصات التقرير أن التحدي الاقتصادي المغربي لم يعد يقتصر على تحقيق معدلات نمو إيجابية أو تحسين التوازنات المالية، بل يمتد إلى ضمان نمو أكثر قدرة على خلق فرص الشغل وتوزيع ثماره بشكل أوسع. فالمعيار الحقيقي لنجاعة الأداء الاقتصادي لا يقف عند حدود الأرقام المسجلة، وإنما يقاس أيضا بقدرته على تحويل الاستثمار إلى إنتاج، والإنتاج إلى وظائف مستقرة، والنمو إلى تحسن ملموس في الأوضاع الاجتماعية للمواطنين.

وكالات ..

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة