الساحل بريس / الصغير محمد
لم يكن اللقاء التواصلي الذي نظمته الكتابة الجهوية لحزب العدالة والتنمية بجهة الداخلة وادي الذهب، من تأطير الدكتور عبد الله بوانو، مجرد محطة تنظيمية عابرة، بل بدا محاولة لإعادة تقديم الحزب إلى الرأي العام بعد سنوات من التراجع الانتخابي والسياسي. غير أن السؤال الذي فرض نفسه بقوة بعد انتهاء اللقاء لم يكن مرتبطا بجودة التنظيم أو مستوى التأطير، وإنما بمدى قدرة الحزب على تشخيص أعطاب الجهة نفسها، لا الاكتفاء بإعادة إنتاج خطاب وطني يوجه سهامه نحو الحكومة المركزية.
فمن تابع مداخلات اللقاء يلاحظ أن الجزء الأكبر من الخطاب انصرف إلى انتقاد السياسات الحكومية، وهو أمر مشروع تمارسه كل معارضة. لكن المفارقة أن هذا الخطاب بدا منفصلا إلى حد كبير عن الأسئلة اليومية التي تؤرق ساكنة جهة الداخلة وادي الذهب، وكأن الأزمة السياسية التي تعيشها الجهة ليست سوى امتداد لما يقع في الرباط.
ذلك أن السياسة المحلية لا تختزل في نقد الحكومة، بل تبدأ من مساءلة المؤسسات المنتخبة داخل الجهة، ومن تقييم أداء المنتخبين، ومن مساءلة الأحزاب، بما فيها الحزب نفسه، عن حصيلة مشاركتها في تدبير الشأن العام. فالعدالة والتنمية لم يكن حزبا خارج المؤسسات، بل شارك في المجالس المنتخبة، سواء ضمن الأغلبية في مراحل سابقة أو ضمن المعارضة حاليا، وهو ما يجعل من حق المواطنين أن يسمعوا تقييما ذاتيا لتجربته المحلية قبل الاستماع إلى نقده للآخرين.
وهنا يظهر سؤال أكثر عمقا: ماذا قدم الحزب للجهة؟ وما هي المبادرات التي دافع عنها داخل المجالس؟ وما هي المعارك التي خاضها لفائدة الساكنة؟ فالنقد السياسي يكتسب مشروعيته حين يكون مصحوبا بمراجعة للذات، لا حين يتحول إلى خطاب أحادي يحمل الآخرين كامل المسؤولية.
ومن بين أكثر النقاط التي استوقفت المتابعين، تلك التي أثارها بعض المتدخلين حول ملفات اجتماعية واقتصادية حساسة، مثل الأراضي السلالية، والقوارب المعيشية، وضعف معاشات فئات واسعة من المتعاقدين، إضافة إلى أزمة النخب المحلية التي ما تزال، بحسب كثير من الفاعلين، تعيد إنتاج نفسها منذ عقود، دون أن تفسح المجال أمام جيل جديد من أبناء المنطقة للمشاركة الفعلية في صناعة القرار.
هذه الملفات لا يمكن اعتبارها قضايا هامشية، بل تمثل جوهر النقاش السياسي الحقيقي داخل الجهة، لأنها ترتبط مباشرة بالعدالة المجالية، وتكافؤ الفرص، وإعادة توزيع السلطة المحلية.
ويبرز في هذا السياق سؤال آخر لا يقل أهمية: أين يقف الحزب من التحولات التي عرفتها الجهة، خاصة مع تنامي دور شركات التنمية المحلية، التي يرى عدد من المتابعين أنها أصبحت تمارس أدوارا تنفيذية واسعة، بما يثير نقاشا حول أثرها على الاختصاصات السياسية للمجالس المنتخبة، وعلى جوهر التنافس الديمقراطي القائم على ربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما أن الحديث عن تجديد النخب لا يمكن أن يظل شعارا سياسيا فقط، بينما ما تزال شخصيات بعينها تحتكر مواقع النفوذ المحلي منذ عقود، رغم تعاقب الدساتير، والولاة، والعمال، والحكومات، وتغير السياقات السياسية. فالديمقراطية لا تقاس فقط بتعدد الأحزاب، وإنما أيضا بقدرتها على إنتاج نخب جديدة، وتجديد آليات التداول على المسؤولية.
وفي المقابل، يواجه حزب العدالة والتنمية معضلة أخرى تتمثل في ذاكرته الحكومية. فمن الصعب على أي خطاب معارض أن يقنع الرأي العام دون أن يجيب عن الأسئلة المرتبطة بفترتي قيادته للحكومة، وما رافقهما من قرارات ما تزال حاضرة في ذاكرة المواطنين، من تحرير أسعار المحروقات، واعتماد التوظيف بالمباراة بدل التوظيف المباشر، وتوسيع نظام التعاقد في التعليم، والاقتطاع من أجور المضربين، وإصلاح أنظمة التقاعد.
قد تختلف الآراء حول دوافع تلك الإصلاحات وضرورتها، لكن المؤكد أنها أصبحت جزءا من السجل السياسي للحزب، وهو سجل لا يمكن تجاوزه بمجرد توجيه الانتقادات للحكومة الحالية، لأن المصداقية السياسية تبنى أيضا على القدرة على مراجعة التجربة السابقة والاعتراف بما نجح وما أخفق.
ويبقى السؤال الذي سيحدد مستقبل العدالة والتنمية في جهة الداخلة وادي الذهب هو: هل يستطيع الحزب أن يتحول إلى معارضة جهوية حقيقية، تنطلق من مشاكل الجهة وتقدم بدائل واقعية، أم سيظل أسير خطاب وطني يعيد إنتاج النقاش نفسه في كل الجهات دون مراعاة خصوصياتها؟
فالسياسة المحلية لا تحتاج إلى خطب أكثر، بقدر ما تحتاج إلى مشروع جهوي واضح، يلامس قضايا التشغيل، والأراضي، وتمكين الشباب، وتجديد النخب، وربط المسؤولية بالمحاسبة. ومن دون ذلك، سيظل أي خطاب، مهما بلغت قوته البلاغية، عاجزا عن استعادة ثقة الناخب الذي لم يعد يبحث عن من ينتقد، بقدر ما يبحث عمن يقدم رؤية قابلة للتنفيذ.
وفي النهاية، فإن التحدي الحقيقي ليس في قدرة أي حزب على نقد خصومه، بل في قدرته على إقناع المواطنين بأنه تعلم من تجربته، وفهم تحولات مجتمعه، وأصبح يحمل مشروعا سياسيا جديدا للجهة، لا مجرد معارضة تعيد تدوير خطابات الماضي.













