أوسرد بعد الماء.. لماذا لا تتحول المدينة إلى مشروع عمراني واستثماري كبير؟

هيئة التحرير28 مايو 2026آخر تحديث :
أوسرد بعد الماء.. لماذا لا تتحول المدينة إلى مشروع عمراني واستثماري كبير؟

الساحل بريس/ الصغير محمد

في أوسرد، لا يبدو وصول الماء حدثاً عادياً يمكن المرور عليه مرور الكرام، بل لحظة تُشبه بداية جديدة لمدينة ظلت طويلاً معلّقة بين الإمكان والتأجيل. فحين تخرج الصحراء من صمتها لتمنح سكانها أول شروط الحياة الأساسية، يصبح السؤال أكبر من مجرد خدمة عمومية: كيف تتحول هذه اللحظة إلى مشروع تنموي شامل؟

وليس من قبيل المبالغة القول إن المدينة ظلت تعاني من ندرة الماء منذ سنة 1998، وهو تاريخ يعكس عمق العجز البنيوي الذي لازم هذا المجال لسنوات طويلة، وجعل من أبسط شروط العيش اليومي تحدياً دائماً للسكان.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس كيف وصل الماء، بل ماذا بعد الماء؟

هل يكفي أن تفتح الصنابير حتى نقول إن التنمية وصلت؟ وهل يمكن لمدينة في عمق الصحراء أن تنهض فقط بشبكة مياه دون أن ترافقها رؤية عمرانية واقتصادية وبشرية متكاملة؟ الحقيقة أن الماء ليس نهاية الطريق، بل بدايته فقط. فكل المدن التي صنعت تاريخها في المناطق القاحلة بدأت أولاً بالماء، ثم تحولت تدريجياً إلى فضاءات للحياة والاستثمار والاستقرار البشري.

أوسرد اليوم تقف عند مفترق طرق حقيقي. فإما أن تتحول إلى مجرد نقطة إدارية معزولة في الصحراء، أو أن تصبح مدينة استراتيجية قادرة على استقطاب السكان والاستثمارات والأنشطة الاقتصادية، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي تعرفها الأقاليم الجنوبية للمملكة.

إن أي حديث عن تنمية أوسرد لا يمكن أن يبقى محصوراً في البنية التحتية وحدها. المدينة تحتاج إلى روح اقتصادية واجتماعية كاملة. تحتاج إلى أسواق حقيقية، لا فقط محلات متفرقة. تحتاج إلى أحياء سكنية منظمة وبقع أرضية تشجع الشباب والعائلات على الاستقرار. تحتاج إلى مدارس ومراكز صحية ومرافق ثقافية ورياضية تجعل من العيش هناك خياراً ممكناً، لا مجرد تضحية جغرافية.

ثم إن السؤال الأكثر إلحاحاً يتعلق بالإدارة نفسها. لماذا تبقى أغلب الإدارات والمصالح بعيدة عن المدينة بينما يفترض أن يكون وجودها داخل أوسرد جزءاً من دينامية الإعمار؟ فالإدارة ليست مجرد مكاتب، بل هي حركة يومية للموظفين والخدمات والمواطنين، وهي أيضاً عامل اقتصادي يخلق الرواج ويشجع السكن والتجارة.

إن نقل بعض الإدارات والمرافق العمومية إلى أوسرد لن يكون مجرد قرار إداري، بل رسالة سياسية واضحة بأن الدولة لا تنظر إلى المدينة كفضاء هامشي، بل كمجال استراتيجي يجب أن ينبض بالحياة.

وفي العمق، تملك أوسرد مؤهلات طبيعية نادرة لا يتم الحديث عنها بما يكفي. فالمدينة ليست مجرد صحراء جافة كما يتصور البعض، بل فضاء مفتوح على جمال طبيعي هادئ وساحر، يمتلك قدرة كبيرة على جذب أنماط جديدة من السياحة البيئية والصحراوية، وفتح آفاق مشاريع سياحية وثقافية وفلاحية وتجارية قادرة على خلق دينامية اقتصادية جديدة بالمنطقة.

لكن هذه المؤهلات تحتاج إلى من يكتشفها ويستثمر فيها. تحتاج إلى فتح المجال أمام المستثمرين، وتقديم تحفيزات حقيقية، وتبسيط المساطر، وإطلاق مشاريع صغيرة ومتوسطة مرتبطة بالسياحة الصحراوية والطاقة والخدمات والتجارة. فالمستثمر لا يذهب إلى الفراغ، بل إلى مدينة يشعر أن الدولة تراهن عليها فعلاً.

ولعل المشكلة الكبرى التي تواجه مدناً كثيرة في الأطراف ليست غياب الإمكانيات، بل غياب الخيال التنموي. فالدولة حين تكتفي بتوفير الحد الأدنى من الخدمات دون خلق رؤية حضرية متكاملة، فإنها تنتج مدناً مؤجلة، تعيش على الانتظار بدل أن تعيش على المبادرة.

أوسرد لا تحتاج فقط إلى الماء، بل تحتاج إلى مشروع مدينة. مشروع يعيد تعريف علاقتها بالمجال الصحراوي، ويحولها من نقطة عبور إدارية إلى قطب عمراني حقيقي في الجنوب المغربي.

وفي النهاية، فإن إعمار المدن لا يتم بالإسمنت وحده، بل بإعطاء الناس سبباً للبقاء فيها. والناس لا يبقون حيث توجد الجدران فقط، بل حيث توجد الحياة والفرص والكرامة والأمل.

لقد وصلت المياه إلى أوسرد، وبقي أن تصل معها الإرادة الكبرى لصناعة مدينة تستحق المستقبل.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة