بينما تواصل الدولة تنزيل ورش الحماية الاجتماعية باعتباره أحد أبرز المشاريع الإصلاحية الرامية إلى توسيع التغطية الصحية وضمان حق المواطنين في العلاج، تكشف مؤشرات حديثة عن واقع يثير الكثير من التساؤلات بشأن توزيع عائدات هذا الورش وأثره على مكونات المنظومة الصحية الوطنية.
وأفاد تقرير صادر عن مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي بأن المصحات والمؤسسات الصحية الخاصة تستحوذ على ما يقارب 90 في المائة من نفقات التأمين الإجباري عن المرض المتعلقة بالعلاجات والاستشفاء، في مقابل استمرار المستشفيات العمومية في مواجهة تحديات مرتبطة بنقص الأطر الطبية وشبه الطبية وضعف التجهيزات والبنيات التحتية الصحية.
ويرى التقرير أن هذه المعطيات تعيد إلى الواجهة النقاش حول طبيعة المستفيدين الفعليين من الإصلاحات الصحية الجارية، ومدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار الخاص في القطاع الصحي وضمان استدامة المرفق العمومي باعتباره ركيزة أساسية لتحقيق العدالة الصحية.
وأشار المصدر ذاته إلى أن الدينامية التي أطلقها النموذج التنموي الجديد ساهمت في خلق فرص اقتصادية مهمة، غير أن الاستفادة منها لم تكن متكافئة بالقدر الكافي، حيث تمكنت بعض الفئات والفاعلين الاقتصاديين من جني نصيب أكبر من عائدات الإصلاحات والاستثمارات العمومية. كما لفت إلى أن جزءاً من الرأي العام بات يعتبر أن تركّز الثروة والفرص الاقتصادية ما يزال يشكل أحد أبرز التحديات أمام تحقيق تنمية أكثر عدالة وإنصافاً.
وفي السياق ذاته، سبق للمجموعة النيابية للعدالة والتنمية أن دقت ناقوس الخطر بشأن هذا الوضع، مؤكدة أن نحو 91 في المائة من التمويلات المخصصة لنظام التأمين الإجباري عن المرض تستفيد منها المصحات الخاصة، مقابل 9 في المائة فقط للمستشفيات العمومية، وهو ما اعتبرته مؤشراً مقلقاً قد يؤثر على مستقبل القطاع الصحي العمومي وقدرته على أداء أدواره الاجتماعية والخدماتية.
وتطرح هذه الأرقام تحدياً حقيقياً أمام صناع القرار، يتمثل في ضرورة تعزيز جاذبية المستشفيات العمومية وتحسين جودة خدماتها، بما يضمن استفادة متوازنة من التمويلات الصحية ويكرس مبدأ المساواة في الولوج إلى العلاج، خاصة في ظل الرهانات الكبرى التي يرفعها مشروع تعميم الحماية الاجتماعية بالمغرب.
وبين طموحات الإصلاح ومتطلبات الإنصاف، يبقى نجاح المنظومة الصحية رهيناً بقدرتها على تحقيق توازن حقيقي بين القطاعين العام والخاص، بما يضمن خدمة صحية ذات جودة لجميع المواطنين دون استثناء.













