الساحل بريس / الصغير محمد
تفرض فرضية «البلقنة الانتخابية» نفسها بقوة على قراءة المشهد السياسي بالداخلة، لا باعتبارها حقيقة محسومة أو اتهاما موجها إلى حزب بعينه، وإنما كإحدى الفرضيات التي يطرحها متابعون لمحاولة فهم بعض التحركات التي تبدو أحيانا أكبر من مجرد تنافس انتخابي عادي.
واللافت في هذه القراءة أن الاستهداف، إن صح وجوده في بعض الحالات، لا يكون موجها بالضرورة إلى حزب واحد، وإنما قد يشمل مختلف الأحزاب المتنافسة. فحين يجري تفتيت قوة كل طرف، وإدخال عناصر جديدة إلى أكثر من معسكر، وإرباك الحسابات الداخلية لكل حزب، فإن المستفيد المحتمل لا يكون بالضرورة أحد أطراف المنافسة الظاهرة، بل قد يكون الطرف الذي ينجح في جعل الجميع أضعف مما كانوا عليه قبل بدء المعركة.
هنا تأخذ «البلقنة» معناها الأكثر اتساعا. فهي لا تعني فقط دفع أسماء إلى حزب منافس لسحب جزء من أصواته، وإنما قد تعني أيضا وجود شخصيات داخل هذا الحزب تراقب حركته، وتقرأ تحالفاته، وتتابع استراتيجياته، وتنقل صورة عن نقاط قوته وضعفه. وإذا كانت هذه الفرضية صحيحة في حالة معينة، فإن الهدف لا يكون الفوز عبر تلك الشخصية بالضرورة، بل امتلاك عين داخل المعسكر المنافس.
لكن الوجه الآخر للعبة أكثر تعقيدا: ماذا لو كانت الأحزاب المتنافسة كلها معرضة لهذا النوع من الاختراق أو التفتيت؟
عندها لا تعود المسألة صراعا بين حزبين، وإنما تتحول إلى محاولة لإعادة هندسة المجال السياسي بأكمله. كل حزب يعتقد أنه يوسع نفوذه، بينما قد يكون في الواقع يفقد جزءا من تماسكه؛ وكل طرف يعتقد أنه يربك منافسه، بينما قد يكون هو نفسه جزءا من عملية إرباك أوسع.
وهذه ليست فكرة مستحيلة في السياسة. فقد عرف المغرب، خلال محطات انتخابية مختلفة، استخدام شبكات التأثير والاستقطاب السياسي، كما وثقت تحقيقات صحفية وقائع تتعلق بالتأثير المنظم في المجال الانتخابي والرأي العام. وهذه الوقائع لا تثبت وجود «بلقنة» حزبية بالداخلة، لكنها تؤكد أن المنافسة الانتخابية يمكن أن تتجاوز أحيانا الشكل التقليدي للحملة والمرشح والصندوق.
وفي الانتخابات، ليست كل الأوراق معدة للفوز. هناك أوراق قد تكون وظيفتها منع الخصم من الفوز، وأخرى لجمع المعلومات، وأخرى لتفتيت الأصوات، وأخرى لإشغال المنافس بجبهة داخلية.
ومن هنا يصبح المترشح أو الفاعل السياسي جزءا من معادلة أوسع من طموحه الشخصي.
لكن الحذر ضروري. فوجود خلافات داخل حزب، أو اختلاف في التقديرات، أو تعدد مراكز النفوذ، لا يعني تلقائيا وجود اختراق أو توظيف. كما أن انتقال شخص من موقع إلى آخر أو تقاطعه مع طرف سياسي آخر لا يكفي وحده لإثبات وجود خطة منظمة.
ما يمكن قوله، في حدود التحليل، هو أن تعدد المؤشرات يجعل فرضية البلقنة قابلة للنقاش، خصوصا إذا تزامن ظهور بعض الأدوار مع نتائج تخدم تفتيت قوة أكثر من طرف في الوقت نفسه.
وهنا تحديدا يصبح المشهد بالداخلة أكثر إثارة للاهتمام: إذا كانت الأحزاب المتنافسة جميعها منشغلة بمراقبة بعضها البعض، فإن السؤال الأهم قد يكون عن الطرف الذي يستفيد من انشغال الجميع ببعضهم.
ففي السياسة، ليست القوة دائما في امتلاك أكبر عدد من الأصوات، وإنما قد تكون في القدرة على توزيع أصوات الآخرين.
وليست المعلومة دائما مجرد معلومة، فقد تكون أداة لصناعة القرار.
وليس المنافس دائما خصما يجب إسقاطه، فقد يكون أحيانا وسيلة لإضعاف خصم آخر.
لهذا فإن فرضية البلقنة الانتخابية بالداخلة تستحق القراءة من زاوية أوسع: ليس من هو الحزب الذي يستهدف الحزب الآخر؟ وإنما هل هناك، في الأصل، محاولة لجعل الأحزاب المتنافسة كلها تدخل السباق وهي أقل تماسكا، وأكثر شكوكا في بعضها، وأكثر انشغالا بجبهاتها الداخلية؟
إذا صحت هذه الفرضية، فإن أخطر ما في اللعبة ليس أن يخسر حزب أمام حزب، وإنما أن تخسر الأحزاب المتنافسة جميعا جزءا من استقلالية قرارها، بينما يخرج طرف آخر من المعركة بأكبر قدر من المكاسب وأقل قدر من الظهور.
وفي النهاية، لا يمكن أن تحسم مثل هذه الأسئلة بالانطباعات، وإنما بما ستكشفه الوقائع، وبما ستقوله النتائج، وبالطريقة التي ستتوزع بها الأصوات والتحالفات بعد انتهاء المعركة.
فالانتخابات ليست فقط سباقا لمن يصل أولا، وإنما أيضا اختبار لمن استطاع أن يفهم اللعبة كاملة.
وربما يكون السؤال الأكثر دلالة في انتخابات الداخلة هو:
هل تتنافس الأحزاب فقط على الناخب، أم أن بعضها قد يجد نفسه، من حيث لا يدري، جزءا من لعبة تستهدف تماسك الجميع داخل الحزب الواحد ؟













